أصدرت كلّنا إرادة، بالتعاون مع المفكّرة القانونية ومبادرة سياسات الغد والجمعية اللبنانية لحقوق المكلّفين (ألديك)، قراءة مشتركة لمشروع موازنة 2027 بالصيغة التي أقرّها مجلس الوزراء، تحت عنوان «إيرادات أعلى وإصلاحات مؤجّلة»، تسلّط الضوء على ارتفاع تقديرات الإيرادات في ظلّ غياب إصلاحات بنيوية، وضعف الإنفاق الاستثماري والاجتماعي، واستمرار الثغرات في الشفافية المالية، وتقدّم توصيات لتعزيز العدالة الضريبية واستدامة المالية العامة.
أبرز الخلاصات
- إيرادات مرتفعة تستند إلى تقديرات اقتصادية غير مؤكّدة
يرفع مشروع موازنة 2027، الذي أقرّه مجلس الوزراء، الإيرادات المقدّرة إلى 628,868 تريليون ليرة لبنانية (7.026 مليارات دولار)، أي أكثر من ضعف الإيرادات المحصّلة فعلياً في عام 2024، التي بلغت 306,034 تريليونات ليرة (3.419 مليارات دولار). ويعتمد المشروع على تحقيق هذه الإيرادات لتمويل مجمل النفقات، مع الحفاظ على عجز صفري في الموازنة. وتشكّل الإيرادات الضريبية نحو 86% من الإجمالي، بقيمة 540,257 تريليون ليرة (6.036 مليارات دولار). لكن هذه التقديرات تثير تساؤلات بشأن إمكان تحقيقها، في ظلّ الانكماش الاقتصادي المتوقّع بنسبة 6.4% في عام 2026، وفق البنك الدولي، وضبابية آفاق التعافي في عام 2027، فضلاً عن الاعتماد الكبير على ضرائب الاستهلاك وتحسين الجباية لتحقيق الزيادة المستهدفة.
- موازنة انتقالية لا تلبّي متطلّبات التعافي وإعادة الإعمار
على الرغم من تقديم مشروع موازنة 2027 بوصفه موازنة انتقالية، فإنه يبقى في جوهره موازنة اعتيادية لا تأخذ في الحسبان التداعيات المالية لإعادة هيكلة القطاع المصرفي والدين السيادي، ولا ترصد استثمارات أو إنفاقاً اجتماعياً يتناسب مع احتياجات لبنان للتعافي وإعادة الإعمار. كذلك، يفتقر المشروع إلى رؤية واضحة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة، وإلى إجراءات فعّالة لمعالجة الاختلالات البنيوية في المؤسسات العامة. ولا يندرج ضمن استراتيجية مالية متكاملة تتيح توسيع الحيّز المالي لتمويل الحماية الاجتماعية والاستثمار، ووضع المالية العامة على مسار مستدام يعيد للدولة قدرتها على تحمّل أعباء الدين، بما يشمل إصلاحاً تدريجياً للنظام الضريبي يجعله أكثر عدالة وفعالية.
- الفوائض المالية تساهم في إنقاذ النظام المصرفي خارج الموازنة
تحوّلت الفوائض المالية الفعلية للدولة، التي بلغت مليار دولار في عام 2025، إلى قناة تمويل خارج الموازنة تشكّل عملياً عملية إنقاذ صامتة للنظام المصرفي. إذ تُضاف هذه الفوائض إلى ودائع القطاع العام لدى مصرف لبنان، وتساهم في تحقيق الاستقرار النقدي وتسديد الودائع المصرفية. ويحدث ذلك من دون تحديد حجم مساهمة الدولة في إعادة هيكلة المصارف، فيما يبقى مساهمو المصارف بمنأى عن تحمّل كلفة التأخّر في هذه العملية.
- زيادة الإنفاق لا تعني توسّعاً فعلياً في قدرات الدولة
يعكس جزء من الزيادة الاسمية في الإنفاق تعديلات على الاعتمادات لمواكبة التضخّم وتعويضات العاملين في القطاع العام، من دون أن يقابله توسّع مماثل في قدرات الدولة الفعلية. وبالتالي، لا تؤدّي زيادة حجم الموازنة إلى تحسّن موازٍ في الخدمات العامة أو الحماية الاجتماعية أو الاستثمار.
- الموازنة لا تعكس الحجم الفعلي لالتزامات الدولة المالية
لا تقدّم الموازنة تقييماً شاملاً لالتزامات الدولة المالية المباشرة وغير المباشرة، بما فيها سندات اليوروبوند التي توقّف لبنان عن سدادها في عام 2020. وبعد أكثر من 6 سنوات على التخلّف عن السداد، لم تبدأ بعد مفاوضات إعادة هيكلة الدين مع حملة السندات، ما يجعل الاعتمادات المرصودة لخدمة الدين أقلّ من العبء المالي الفعلي المترتّب على الدولة.
- الأجور والمنافع الاجتماعية تستحوذ على أكثر من نصف الموازنة
تستحوذ الأجور والرواتب والمنافع الاجتماعية على نحو 57.5% من إجمالي الإنفاق، بعد التعديلات التي أدخلها مجلس الوزراء على المشروع. ويتركّز الجزء الأكبر من النفقات المرتبطة بالعاملين في القطاع العام خارج الإدارة المدنية الأساسية، ولا سيّما في الأجهزة العسكرية والأمنية ومعاشات المتقاعدين.
- خفض النفقات الاستثمارية على الرغم من تزايد احتياجات إعادة الإعمار
خفّض مجلس الوزراء النفقات الرأسمالية إلى 58.569 تريليون ليرة (654.4 مليون دولار)، أي 9.3% فقط من إجمالي الموازنة. ويتركّز معظم هذه النفقات في أعمال الصيانة وإعادة التأهيل وشراء التجهيزات وتنفيذ الالتزامات القائمة، على الرغم من الاحتياجات الاستثمارية الضخمة ومتطلّبات إعادة الإعمار في لبنان.
- احترام المهل القانونية لا يضمن الشفافية المالية
أُعدّ مشروع موازنة 2027 ضمن المهل القانونية، وتضمّن إطاراً مالياً متوسط الأجل للفترة 2027–2030، في تحسّن إجرائي مقارنةً بالسنوات السابقة. لكن هذا التقدّم لم ينعكس على الشفافية المالية، إذ لا يزال قطع حساب عام 2025 غير متوافر. كذلك، يعود المشروع إلى إدراج أحكام ضريبية وإدارية دائمة ضمن قانون الموازنة السنوي، من دون الاستناد إلى إطار واضح للسياسات العامة.
التوصيات ذات الأولوية
نشر كشف شامل بالدين العام والتزامات الدولة
نشر كشف موحّد يشمل الدين السيادي والفوائد المتراكمة غير المسدّدة وسائر الالتزامات المالية للدولة، مرفقاً بتحليل لاستدامة الدين.
- كشف حجم ودائع القطاع العام لدى مصرف لبنان ومصادرها واستخداماتها
نشر بيانات تفصيلية عن ودائع القطاع العام لدى مصرف لبنان، تُميّز بين حساب الخزينة رقم 36 والودائع العائدة إلى سائر الجهات العامة، وتحدّد مصادر هذه الأموال وحركتها وأوجه استخدامها. كذلك، على وزارة المالية ومصرف لبنان مطابقة الفوائض المالية المسجّلة خلال السنوات الثلاث الماضية مع الإيرادات المحصّلة فعلياً، والنفقات المنفّذة، والالتزامات غير المسدّدة، والتغيّرات في أرصدة الخزينة. وتتيح هذه الإجراءات تحديد حجم السيولة العامة المتراكمة لدى مصرف لبنان، وكيفية استخدامها لتحقيق الاستقرار النقدي وتسديد الودائع المصرفية، والتحقّق ممّا إذا كانت تشكّل مساهمة مالية ضمنية من الدولة في معالجة أزمة القطاع المصرفي، من دون إدراجها في الموازنة.
- تفعيل التبادل الدولي للمعلومات الضريبية
إنفاذ القانون رقم 55/2016 وتطبيق المعيار المشترك للإبلاغ (CRS)، بما يشمل تبادل المعلومات الضريبية عند الطلب (EOIR) والتبادل التلقائي للمعلومات (AEOI)، لتمكين الإدارة الضريبية من الحصول على معلومات عن المداخيل الناتجة من رؤوس الأموال التي يملكها المقيمون في لبنان في الخارج أو يحوّلونها إليه، بما فيها الفوائد وتوزيعات الأرباح والأوراق المالية والأرباح الرأسمالية.
- تمكين الإدارة الضريبية من الوصول إلى المعلومات المصرفية
استكمال تطبيق إصلاحات السرّية المصرفية، وإصدار التدابير التنفيذية اللازمة لضمان وصول الإدارة الضريبية فعلياً إلى المعلومات المصرفية، بما يمكّنها من التحقيق في المداخيل غير المصرّح عنها ومكافحة التهرّب الضريبي.
- تحصيل المستحقّات المتأخّرة من مستثمري المقالع والكسّارات
تحصيل الضرائب والرسوم والتعويضات البيئية غير المسدّدة من مستثمري المقالع والكسّارات، ونشر كشف تفصيلي بالمبالغ المستحقّة والمبالغ المحصّلة والإجراءات المتّخذة لضمان تحصيلها.
- تحصيل مستحقّات الدولة من شاغلي الأملاك العمومية البحرية
تسريع تطبيق القانون رقم 64/2017، واستكمال البتّ في طلبات معالجة المخالفات، وتحصيل الرسوم والغرامات المتأخّرة، واسترداد الأملاك العمومية البحرية المشغولة من دون ترخيص قانوني.
- إشراك البلديات في كشف الأنشطة الاقتصادية غير المسجّلة
إلزام البلديات بالكشف عن المؤسسات والأنشطة الاقتصادية غير المسجّلة، وفقاً لقانون الموازنة رقم 144/2019، بما فيها مستثمرو المولّدات الكهربائية الخاصة ومزوّدو خدمات الإنترنت غير الشرعيين وسائر الأنشطة الاقتصادية غير المعلنة. ومنح البلديات حوافز مالية مرتبطة بحجم الضرائب والغرامات المحصّلة فعلياً نتيجة المعلومات التي تقدّمها.
- إعادة فرض ضريبة على العقارات الشاغرة وإصلاح النظام الضريبي العقاري
إعادة إدراج الحكم المتعلّق بفرض ضريبة على العقارات الشاغرة، الذي حذفه مجلس الوزراء من مشروع الموازنة (المادة 37 سابقاً)، مع وضع ضمانات تكفل العدالة وفعالية التطبيق. وفي إطار إصلاح أشمل، تعديل قانون ضريبة الأملاك المبنية الصادر في 17 أيلول 1962، للتمييز بين العقارات المؤجّرة والعقارات التي يشغلها مالكوها، وإخضاع إيرادات الإيجارات لنظام ضريبة الدخل، في مقابل فرض ضريبة على استخدام العقارات التي يشغلها مالكوها، تُخصّص إيراداتها للسلطات المحلية. ويهدف هذا الإصلاح إلى تحقيق مزيد من الاتّساق في النظام الضريبي العقاري، وتعزيز إيرادات السلطات المحلية، والحدّ من التفاوت في المعاملة الضريبية بين أشكال استخدام العقارات المختلفة.
- تشديد العقوبات على التهرّب الضريبي
تعديل قانون الإجراءات الضريبية رقم 44/2008 لفرض عقوبات فعّالة ومتناسبة مع المخالفات، تشمل غرامات كافية لردع التهرّب الضريبي، وسحب التراخيص من المهنيين الذين يسهّلون التهرّب، ونشر أسماء مرتكبي المخالفات الجسيمة والمثبتة، مع ضمان احترام الأصول القانونية وحقوق الدفاع. كذلك، وقف التخفيضات المتكرّرة للغرامات وتسويات المخالفات التي تكافئ عدم الامتثال، وتضعف صدقية الإدارة الضريبية وقدرتها على إنفاذ القانون.
- اعتماد رقم تعريف ضريبي موحّد لكلّ مقيم
اعتماد رقم تعريف ضريبي موحّد (TIN) لكلّ مقيم في لبنان، سواء كان لبنانياً أو أجنبياً، وربطه عند الاقتضاء ببطاقة الهوية أو جواز السفر أو إجازة الإقامة، بما يمكّن الإدارة الضريبية من تحديد هويات المكلّفين وتتبع مصادر مداخيلهم وأنشطتهم الاقتصادية المختلفة.
- تحديث الإدارة الضريبية وربط قواعد البيانات
تحديث الإدارة الضريبية باستخدام أدوات تحليل البيانات والتنقيب فيها، والمطابقة الآلية للمعلومات، والذكاء الاصطناعي، والأنظمة الحكومية الإلكترونية القابلة للتشغيل البيني. ويشمل ذلك ربط المؤسسات العامة بقواعد بيانات مركزية أو شبكات لامركزية آمنة، بحسب الحاجة، وإتاحة وصول الجمهور إلى سجلات المستفيدين الحقيقيين من ملكية الشركات. وتتيح هذه الأدوات كشف التناقضات في البيانات، وتحديد الأنشطة الاقتصادية غير المعلنة، ورصد المكلّفين الذين يتكرّر عدم امتثالهم لموجباتهم الضريبية، مع اعتماد ضمانات كافية لحماية البيانات والمساءلة.







