• قانون العفو العام: إعفاء من المحاسبة تحت غطاء معالجة المظالم

    تشرين الأول 6, 2026 | بسط سيادة الدولة، وسيادة القانون، والحوكمة الرشيدة | سيادة الدولة وسيادة القانون | ورقة الموقف
    issue
    .

    أقرّ مجلس النواب قانون العفو العام رقم 70/2026، الصادر في 4 أيلول 2026، بعد سنوات من النقاش حول أوضاع الموقوفين وأزمة السجون. وقد أثار إقراره جدلًا سياسيًا وقانونيًا ودستوريًا، نظرًا إلى ما يرتّبه من آثار على الملاحقات والعقوبات وحقوق الضحايا. وقد أوقف المجلس الدستوري مفعول القانون إثر الطعن المقدّم أمامه، إلى حين البتّ في دستوريته.

    تكمن خطورة هذا القانون في أنه لا يقتصر على معالجة أوضاع موقوفين تعرّضوا فعلًا للظلم، بل قد يفتح الباب أمام إعفاءات واسعة تشمل أفعالًا لا علاقة لها بهذه المظالم. فالقانون يمنح عفوًا عن الجرائم المرتكبة قبل 1 آذار 2026، ثم يحدّد الجرائم المستثناة منه، ما يعني أن كل جرم لم يُستثنَ صراحة قد يصبح مشمولًا بالعفو. ولا يمكن لاكتظاظ السجون أو لتعطّل المحاكمات أن يشكّلا مبرّرًا لتوسيع الإعفاء من المسؤولية على هذا النحو.

    وفي المقابل، لا يمكن تجاهل المظالم الفعلية التي شابت المرحلة السابقة. فقد أمضى موقوفون سنوات في السجن من دون صدور أحكام بحقهم، وتعرّض آخرون لانتهاكات خلال التحقيق أو المحاكمة. وتقع على الدولة مسؤولية إنصافهم، أيًا يكن انتماؤهم، ولكن من خلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة والإصلاح الجدي لنظام التوقيف والسجون، لا عبر عفو واسع يساوي بين حالات مختلفة جذريًا في طبيعتها ومسؤولياتها.

    وتثير الصيغة النهائية للقانون إشكالية بالغة الخطورة، إذ تظهر فروقات جوهرية بينها وبين النص الذي عُرض على النواب وجرى التصويت عليه، ولا سيما لجهة غياب الاستثناء الصريح لجرائم الفساد في القطاع العام، وتضييق نطاق استثناء الإثراء غير المشروع، وامتداد آثار العفو إلى قرارات إدارية وتأديبية بحق موظفين. وإذا ثبت أن تعديلات من هذا النوع أُدخلت بعد التصويت، فإن المسألة لا تعود مجرد خلاف على مضمون القانون، بل تمسّ سلامة العملية التشريعية نفسها. لذلك، من الضروري أن ينشر مجلس النواب جميع النسخ المتعاقبة للنص ومحاضر الجلسات وتسجيلاتها، وأن يوضح بصورة شفافة كيف أُدخلت هذه التعديلات ومن تحمّل مسؤوليتها.

    كما تترك الاستثناءات الحالية ثغرات قد تطال جرائم الرشوة وصرف النفوذ وبعض الجرائم المالية والمصرفية، تبعًا للتكييف القانوني المعتمد. ومن هنا، تبرز ضرورة إغلاق هذه الثغرات بما يضمن حماية التحقيقات والملاحقات المرتبطة بالفساد والانهيار المالي وضياع أموال المودعين.

    وترفض «كلنا إرادة» تصوير الاعتراض على القانون وكأنه موقف ضد إنصاف المظلومين. فالمشكلة ليست في معالجة الظلم، بل في استخدام مظالم حقيقية مدخلًا لإقرار عفو واسع قد يستفيد منه أشخاص لا علاقة لملفاتهم بهذه المظالم. كما لا يجوز أن يتحوّل العفو إلى تسوية تُوزَّع منافعها وفق موازين القوى أو الانتماءات الطائفية والسياسية.

    ولا يمكن فصل هذا النقاش عن تجربة لبنان مع العفو العام منذ انتهاء الحرب. فقد ترك قانون العفو لعام 1991 إرثًا ثقيلًا من غياب المحاسبة، وساهم في ترسيخ منطق طيّ الملفات بدل كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات. كما أن الاعتراض على هذا النوع من العفو ليس جديدًا؛ ففي تشرين الثاني 2019، واجه مشروع عفو عام اعتراضًا شعبيًا ومدنيًا واسعًا، شاركت فيه «كلنا إرادة» إلى جانب جهات أخرى. واليوم، لا يعني تراجع زخم الشارع أن الرقابة المجتمعية قد انتهت أو أن المحاسبة أصبحت تفصيلًا يمكن تجاوزه.

    وإلى حين البتّ بالطعن ومعالجة الإشكاليات التي يطرحها القانون، لا يجوز أن تبقى المظالم القائمة معلّقة. فعلى الدولة تأمين انتظام عمل المحاكم، وتسريع البتّ بالملفات وطلبات إخلاء السبيل، ومراجعة استمرار التوقيف حيث يلزم، وضمان المساعدة القانونية للموقوفين.

    في النهاية، يتجاوز النقاش حول هذا القانون تفاصيله التقنية. فهو يتعلق بالخيار بين استمرار منطق معالجة الأزمات عبر العفو والتسويات، وبين بناء دولة تقوم على سيادة القانون والمساواة أمام القضاء والمحاسبة وحقوق الضحايا. معالجة المظالم واجب، لكن لا يجوز أن تتحول إلى ذريعة لتوسيع دائرة الإفلات من المحاسبة.

    وانطلاقًا من ذلك، تتمسّك «كلنا إرادة» بضرورة إبطال القانون في كل ما يكرّس الإفلات من المحاسبة، وألا تؤدي أي صيغة للعفو إلى تعطيل المحاسبة في قضايا الفساد والجرائم المالية والانتهاكات الجسيمة. كما تدعو إلى معالجة الحالات التي تستوجب الإنصاف بتشريع محدّد ودقيق، يحمي حقوق المتضررين والضحايا ويخضع لنقاش علني وشفاف. فالمسألة في جوهرها ليست فقط من يشمله العفو ومن يُستثنى منه، بل أي دولة وأي ثقافة سياسية وقانونية يريد لبنان أن يؤسّس لها.

    • قانون العفو العام:

    • إعفاء من المحاسبة تحت غطاء معالجة المظالم

إنضم إلى قائمتنا البريدية