أصدرت كلّنا إرادة، بالتعاون مع المفكّرة القانونية والجمعية اللبنانية لحقوق المكلفين ومبادرة سياسات الغد، بيانًا حول الطعن الذي قدّمه رئيس الجمهورية أمام المجلس الدستوري بشأن دستورية القانون التعديلي لقانون إصلاح المصارف.
بصورة مفاجئة تماما، طعن رئيس الجمهورية جوزاف عون بقانون إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها أمام المجلس الدستوري، بعدما كان قد أصدر القانون. ورغم خطورة الطعن في هذا القانون، لم يصدر عن المديرية العامة لرئاسة الجمهورية أي إعلان عنه أو عن الأسباب والمخالفات الدستورية التي دفعت الرئاسة إليه. وبحسب التّسريبات المتداولة، يتركّز الطعن بصورة أساسية على المادة الثالثة من القانون، وهي المادة التي تحدّد أهدافه بالانسجام مع "المعايير الدولية المتبعة" و"على ضوء ما تحتاجه الحكومة ومصرف لبنان لأجل تعزيز استقرار النظام المالي" من دون ربطها بالمادة 70 من قانون النقد والتسليف التي تمنح صلاحيات فضفاضة للمجلس المركزي للمصرف المركزي، وهو المطلب الذي كان حاكم مصرف لبنان كريم سعيّد قد ركّز عليه خلال مناقشة مشروع القانون قبل أن يعتمد مجلس النواب في الهيئة العامة الصيغة الحالية للمادة.
وتعليقا على هذا الطعن، يهم المنظمات الموقعة على هذا البيان إبداء المواقف الآتية:
أولا، وجوب ممارسة حقّ المراجعة الدستورية بصورة شفافة
مع التسليم بصلاحية رئيس الجمهورية في الطعن في دستورية القوانين، فإن ممارسة هذه الصلاحية يجدر أن تتمّ بصورة شفافة وأن تهدف إلى إعلاء الدستور نصًا وروحًا، وخصوصا حين تتصل بقانون ذي أولوية اجتماعية فائقة، وهو قانون انتظره لبنان لسنوات وشكّل تعديله خطوة أساسية في تقريب الإطار القانوني اللبناني من المعايير الدولية ومن المتطلبات التي جرى التفاوض بشأنها مع صندوق النقد الدولي. ومن هنا، كان من المتوقّع أن توضح الرئاسة في بيان رسمي الأسباب التي حدتها إلى تقديم هذا الطعن وضمنًا المخالفة الدستورية التي انبنى عليها.
ثانيا، مخاوف بشأن ازدواجية الرسائل الموجهة إلى الخارج
ما يزيد من عوامل القلق هو الإعلان عن الطعن في توقيت بالغ الدقة، حيث حصل تبعًا لإشارات الدعم والتشجيع التي تلقّاها لبنان من المديرة العامة لصندوق النقد الدولي بشأن مسار الإصلاح والتقدّم المحقّق. وقد أدّى غياب التوضيح الرّسمي إلى مضاعفة التساؤلات لدى الجهات الدولية المعنيّة حول مصير أحد القوانين الأساسية في المسار الإصلاحي ومدى وحدة سلطات الدولة اللبنانية وأجهزتها في التعامل مع هذا المسار، وخصوصًا أن رقابة المجلس الدستوري تمتدّ عند وجود أي طعن، إلى مجمل أحكام القانون.
وأكثر ما نخشاه هو أن يؤدي الطعن بصورة من الصور إلى إعادة خلط الأوراق، بعد سبع سنوات من الأزمة والتأخر في إعادة هيكلة القطاع المصرفي، وفي وقت لم يعد لبنان يحتمل فيه جولات جديدة من التعطيل أو إعادة فتح التسويات التي تم التوصّل إليها.
ثالثا، التمسّك بضرورة الحدّ من أحادية مصرف لبنان في تنظيم القطاع المصرفي وإصلاحه
برّر حاكم مصرف لبنان اعتراضه على المادة 3 بضرورة عدم المسّ بصلاحيات مصرف لبنان واستقلاليته فيما يتصل بإصلاح المصارف. والواقع أن هذا التبرير ليس في محله للأسباب الآتية:
- إن ما يتناوله القانون ليس الصلاحيات التي يمنحها قانون النقد والتسليف لمصرف لبنان وحاكمه في إدارة السياسة النقدية والمحافظة على الاستقرار النقدي والمالي عموما، إنّما الصلاحيات الاستثنائية والمحددة المرتبطة بمعالجة المصارف المتعثرة وإعادة هيكلتها أو تصفيتها. فهذه الأخيرة تقتضي، وفق المعايير الدولية، وجود سلطة تتمتع باستقلالية تشغيلية واضحة، وحوكمة سليمة، وآليات تحدّ من تضارب المصالح بين وظائف الرقابة المصرفية من جهة ووظيفة معالجة أوضاع المصارف المتعثرة من جهة أخرى. وما يعزز هذه الاعتبارات، هو أن حاكمية مصرف لبنان السابقة، تتحمل جزءا هاما من المسؤولية عن الأزمة التي يهدف القانون إلى معالجتها.
- إنّ الفصل الوظيفي بين الرقابة المصرفية واتّخاذ قرارات إعادة الهيكلة أو التصفية لا يعد انتقاصًا من المهام الرئيسة التي يستمد المصرف المركزي سبب وجوده منها، بل هو من النماذج المعتمدة في عدد من الأنظمة المقارنة، مثل فرنسا وسويسرا. وقد سبق أن اعتمد أيضاً هذا الفصل والتمييز في المهام والصلاحيات في القوانين اللبنانية التي ما زالت مرعية الإجراء لا سيما من خلال المحكمة المصرفية الخاصة (التي نصّ عليها كل من القانونين 2/67 و110/91 المولجة وضع اليد على المصارف) التي مارست مهامها المذكورة في عدة مراحل شهدت أزمات مصرفية حادة.
- ما يهدف إليه القانون المطعون فيه إذا ليس المسّ باستقلالية مصرف لبنان في ممارسة مهامه النقدية، بل ضمان استقلالية وحيادية الجهة (وهي الهيئة المصرفية العليا الغرفة الثانية) التي يُناط بها اتخاذ قرارات شديدة الحساسية تتعلق بمصارف متعثرة.
- إن توزيع الصلاحيات بين المصرف المركزي والهيئة المنشأة بموجب هذا القانون إنما هي مسألة يعود للسلطة التشريعية تقريرها وفق اعتبارات المصلحة العامة المعلن عنها في أسبابه الموجبة، من دون أن تكون في حال من الأحوال مسألة دستورية.
وبناء عليه،


.jpg)




